فخر الدين الرازي
121
تفسير الرازي
على فساد قول الجهال الذين يقولون إن كتاب الله لا يشتمل على الحجة والاستدلال ، وههنا سؤالات . السؤال الأول : انتفاء إتيانهم بالسورة واجب ، فهلا جيء بإذا الذي للوجوب دون " إن " الذي للشك الجواب فيه وجهان : أحدهما : أن يساق القول معهم على حسب حسبانهم ، فإنهم كانوا بعد غير جازمين بالعجز عن المعارضة لاتكالهم على فصاحتهم واقتدارهم على الكلام . الثاني : أن يتهكم بهم كما يقول الموصوف بالقوة الواثق من نفسه بالغلبة على من يقاومه : إن غلبتك ، وهو يعلم أنه غالبه تهكماً به . السؤال الثاني : لم قال : * ( فإن لم تفعلوا ) * ولم يقل فإن لم تأتوا به ؟ الجواب : لأن هذا أخصر من أن يقال فإن لم تأتوا بسورة من مثله ولن تأتوا بسورة من مثله . السؤال الثالث : * ( ولن تفعلوا ) * ما محلها ؟ الجواب لا محل لها لأنها جملة اعتراضية . السؤال الرابع : ما حقيقة لن في باب النفي ؟ الجواب : لا ولن أختان في نفي المستقبل إلا أن في " لن " توكيداً وتشديداً تقول لصاحبك : لا أقيم غداً عندك ، فإن أنكر عليك قلت لن أقيم غداً ، ثم فيه ثلاثة أقوال : أحدها : أصله لا أن ، وهو قول الخليل . وثانيها : لا ، أبدلت ألفها نوناً ، وهو قول الفراء ، وثالثها : حرف نصب لتأكيد نفي المستقبل وهو قول سيبويه ، وإحدى الروايتين عن الخليل . السؤال الخامس : ما معنى اشتراطه في اتقاء النار انتفاء إتيانهم بسورة من مثله ؟ الجواب : إذا ظهر عجزهم عن المعارضة صح عندم صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإذا صح ذلك ثم لزموا العناد استوجبوا العقاب بالنار ، فاتقاء النار يوجب ترك العناد ، فأقيم المؤثر مقام الأثر ، وجعل قوله : * ( فاتقوا النار ) * قائماً مقام قوله فاتركوا العناد ، وهذا هو الإيجاز الذي هو أحد أبواب البلاغة وفيه تهويل لشأن العناد ؛ لإنابة اتقاء النار منابه متبعاً ذلك بتهويل صفة النار . السؤال السادس : ما الوقود ؟ الجواب : هو ما يوقد به النار وأما المصدر فمضموم وقد جاء فيه الفتح ، قال سيبويه : وسمعنا من العرب من يقول وقدنا النار وقوداً عالياً ، ثم قال والوقود أكثر ، والوقود الحطب وقرأ عيسى بن عمر بالضم تسمية بالمصدر كما يقال فلان فخر قومه وزين بلده . السؤال السابع : صلة الذي يجب أن تكون قضية معلومة فكيف علم أولئك أن نار الآخرة توقد بالناس والحجارة ؟ الجواب ، لا يمنع أن يتقدم لهم بذلك سماع من أهل الكتاب ، أو سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو سمعوا من قبل هذه الآية قوله في سورة التحريم : * ( ناراً وقودها الناس والحجارة ) * ( التحريم : 6 ) . السؤال الثامن : فلم جاءت النار الموصوفة بهذه الجملة منكرة في سورة التحريم وههنا معرفة ؟ الجواب : تلك الآية نزلت بمكة فعرفوا منها ناراً موصوفة بهذه الصفة ثم نزلت هذه بالمدينة مستندة إلى ما عرفوه أولاً . السؤال التاسع : ما معنى قوله : * ( وقودها الناس والحجارة ) * الجواب : أنها نار ممتازة من النيران بأنها لا تتقد إلا بالناس والحجارة ، وذلك يدل على قوتها من وجهين : الأول : أن سائر النيران إذا أريد إحراق الناس بها أو إجماء الحجارة أوقدت أولاً بوقود ثم طرح فيها ما يراد إحراقه أو إحماؤه ، وتلك أعاذنا الله منها برحمته الواسعة توقد بنفس ما تحرق . الثاني : أنها لإفراط حرها تتقد في الحجر .